محمد جمال الدين القاسمي
432
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الصلب والقتل ، يرجح نفي حصوله رجحانا لا يكاد يفارق اليقين الحقيقيّ . ومعلوم أن أخذ الأمور التاريخية في هذا الصدد عن طوائف مصر والشام أولى ، لأنهم أبناء جلدتها ، وأدرى بحوادث بلادهم الحقيقية . فيؤخذ من كل ذلك : أولا - أن كافة الظروف التي حصل فيها تنفيذ الحكم كانت مساعدة لتخليص المسيح عليه الصلاة والسلام . وبالأخص اضطهاد الحكومة الرومانية للعقائد الموسوية . وعدم الاعتناء بها لا يسهل تنفيذها . ثانيا - وقت الغلس الذي حصل فيه ذلك الصلب الموهوم . وكان يمكننا لدرس هذا الموضوع التكلم على جملة مسائل تفند دعوى الصلب تفنيدا لا مزيد عليه . ومن ضمنها ، أن نصارى اليوم تدعي أن سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام حكم عليه من مجمع اليهود بالقتل بسبب تغييره لأحكام التوراة . ومن المعلوم أن الحكم ، في ذلك الموضوع ، الرجم لا الصلب . فهذا مما يرتكن عليه مثل الموسيو ( شارل بيكار ) في ادعائه أن النصارى الحديثين احتاجوا لعلامة الصليب رمزا لبعض عقائد كانوا يريدون إدخالها في الديانة . وهي مسألة الفدا . انتهى كلام صاحب السيوف البتارة . ولما اطلع عليها ذلك النصرانيّ المذبذب المردود عليه ، أعياه الرد من الطريقة التاريخية ، فأخذ يرد عليها تشبثا بأسباب واهية . فعدّ ، كل من رفض الصلب من نصارى الأيام الأول ، هرطوقيا . أي : مارقا من الدين . ورمى أصحاب التواريخ من أهل أوروبا الذين وافقوا المسلمين في عدم حصول الصلب بأنهم كفرة الإفرنج . ثم تمسك بالأناجيل الأربعة الرسمية وقال : أنه لا يمكنه أن يزيف شيئا منها ما دامت شاهدة من أولها إلى آخرها بحصول الصلب حقيقة . وأنه يلزم حينئذ تأويل ما جاء في القرآن المجيد حتى يصل للوفاق . فعاد صاحب ( السيوف البتارة ) وألف رسالة ثانية في شهادة علماء الإفرنج بحفظ القرآن وتحريف ما سواه . تكملة للأول . فتوسع جزاه اللّه خيرا في هذا الموضوع ثم قال ( في الكلام على الإنجيل ) ما لفظه : أما الإنجيل فإنه أبعد عن الصحة من التوراة بكثير . إذ لا يفهم أحد للآن كيف تعدد الإنجيل الأصليّ إلى نسخ شتى متباينة . ولأي مرجح استحسنت منها النصارى الحاليون أربعة أناجيل ، مختلفة كل الاختلاف ، متضاربة كل التضارب . ولا يدري لما ذا عدلوا عن ( إنجيل برنابا ) مثلا الذي وافق القرآن قبل ظهوره في المسائل التي أبتها الكتب الحالية . فإنا نجد هذا الإنجيل يخبر أن السيد المسيح نبيّ ، عبد ، مخلوق . ليس بإله . وأنه لم يصلب . وفيه البشارة بسيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم مذكورا بلفظه ( كذا ) . وهاك ما قاله السيد المسيح